نورالدين علي بن أحمد السمهودي
210
وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى ( ص )
الثانية الإخلاص ، فإن أقيمت مكتوبة أو خاف فوتها بدأ بها ، وحصلت التحية بها ، فإذا فرغ حمد الله ، وأثنى عليه على ما منحه من هذه النعمة العظيمة ، والمنة الجسيمة . قال الكرماني وصاحب الاختيار من الحنفية : إنه يسجد بعد الركعتين شكرا لله تعالى ، ويبتهل إليه في أن يتمم له ما قصد من الزيارة مع القبول ، وأن يهب له من مهمات الدارين نهاية السّول . ونقل الزين المراغي عن بعض مشايخه أن محل تقديم التحية على الزيارة إذا لم يكن مروره قبالة الوجه الشريف ، فإن كان ذلك استحبت الزيارة أولا ، مع أن بعض المالكية رخّص في تقديم الزيارة على الصلاة ، وقال : كل ذلك واسع . والحجة في استحباب تقديم التحية ما نقله البرهان ابن فرحون عن ابن حبيب أنه قال في كتاب الصلاة : حدثني مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال : قدمت من سفر ، فجئت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أسلم عليه وهو بفناء المسجد ، فقال : أدخلت المسجد فصليت فيه ؟ قلت : لا ، قال : فاذهب فادخل المسجد وصل فيه ثم ائت فسلم علي . وقال اللخمي في التبصرة في باب من جاء مكة ليلا : ويبتدئ في مسجد النبي صلى اللّه عليه وسلم بتحية المسجد قبل أن يأتي القبر ويسلم ، هذا قول مالك . وقال ابن حبيب : يقول إذا دخل : بسم الله ، والسلام على رسول الله ، يريد أن يبتدئ بالسلام من موضعه ، ثم يركع ، ولو كان دخوله من الباب الذي بناحية القبر ومروره عليه فوقف فسلم ثم عاد إلى موضع يصلي فيه لم يكن ضيقا ، انتهى . قلت : وليس في كلام ابن حبيب مخالفة لما ذكره مالك ؛ إذ مراده أن الداخل من باب المسجد يستحب له الصلاة عليه ؛ لما روى ابن خزيمة في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه مرفوعا « إذا دخل أحدكم المسجد فليسلم على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وليصل ، وليقل : اللهم أجرني من الشيطان الرجيم » ولأن ابن حبيب ذكر بعد ذلك صلاة التحية ، ثم الوقوف بالقبر ، والسلام ، والله تعالى أعلم . ومنها : أن يتوجه بعد ذلك إلى القبر الكريم ، مستعينا بالله تعالى في رعاية الأدب في هذا الموقف العظيم ، فيقف بخشوع وخضوع تامين تجاه مسمار الفضة الذي بجدار الحجرة المتقدم بيانه في محله لجعله في موضع محاذاة الوجه الشريف ، وربما منع باب المقصورة التي حول الحجرة الشريفة الواقف للزيارة خارجها من مشاهدة ذلك المسمار إلا بتأمل يشغل القلب ويذهب الخشوع فليقصد المصرعة الثانية من باب المقصورة القبلي